محمد أبو زهرة
5072
زهرة التفاسير
أولا - أنهم ماتوا . والثاني - أنهم صاروا ترابا وعظاما بالية ، وهي رميم ، وإن ذلك يجعل الإعادة في نظرهم مستحيلة ؛ لأن الأرواح زهقت بالموت ، والأجسام بليت ، ونسوا أن الذي بدأهم وأنشأهم من العدم ، كما قال سبحانه : كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ( 29 ) [ الأعراف ] ، وأن الذي فطرهم أولا هو الذي يعيدهم ثانية . ويزيدون في استبعادهم أو إنكارهم أنهم مخرجون من دفائن القبور إلى ظاهر الوجود ، وكل ذلك من سيطرة المادة . ويؤكدون ذلك فيقولون : هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ ( 36 ) . هَيْهاتَ يقول النحويون : إنها اسم فعل ماض بمعنى بعد ، وقد أكدوا البعد بالتوكيد اللفظي بتكرار الكلمة ، كما أكد الاستبعاد باللام في قوله تعالى : لِما تُوعَدُونَ فكأن مضمون الكلام البعد المؤكد لما توعدون ، أي الذي توعدونه من بعث ونشور وعقاب وحساب ، كاللام في قوله تعالى : هَيْتَ لَكَ . . . ( 23 ) [ يوسف ] أي النداء لك أو لإغرائك . وهكذا قد غشيت المادة تفكيرهم ، حتى صاروا لا يفكرون إلا عن طريقها ، ويستبعدون بأهوائهم ، ولا يفكرون بعقولهم ، ويؤكدون إنكار البعث ، فيقولون كما حكى اللّه تعالى عنهم بقوله : إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ( 37 ) . فصلت هذه الجملة عما قبلها ؛ لأنها في معنى البيان لها ، وتوكيدها ، وقد انتقلوا من مرتبة الإنكار ، إلى مرتبة ادعاء النقيض وادعاء أنه لا حياة بعد هذه الحياة فقالوا : إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا فإن نافية ، ففي الجملة نفى وإيجاب ، وهذا يفيد القصر ، أي لا حياة إلا هذه الحياة الدنيا ، والدنيا مؤنث أدنى ، أي هذه الدنيا القريبة وليست الحياة البعيدة هِيَ - تفيد التوكيد ، إذ مضمونها أن هذه الحياة وحدها .